عبد الله بن أحمد النسفي
143
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 166 إلى 168 ] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) 166 - إِذْ تَبَرَّأَ مدغمة الذال في التاء حيث وقعت عراقي غير عاصم ، وهو بدل من إذ يرون العذاب الَّذِينَ اتُّبِعُوا أي المتّبعون وهم الرؤساء مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا من الأتباع وَرَأَوُا الْعَذابَ الواو للحال « 1 » ، أي تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب وَتَقَطَّعَتْ عطف على تبرأ بِهِمُ الْأَسْبابُ الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحابّ . 167 - وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أي الأتباع لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدّنيا فَنَتَبَرَّأَ نصب على جواب التمني لأنّ لو في معنى التمني ، والمعنى ليت لنا كرّة فنتبرأ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا الآن كَذلِكَ مثل ذلك الإراء الفظيع يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي عبادتهم الأوثان حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ندامات ، وهي مفعول ثالث ليريهم ، ومعناه أنّ أعمالهم تنقلب عليهم حسرات فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ بل هم فيها دائمون . 168 - ونزل فيمن حرموا على أنفسهم البحائر « 2 » ونحوها يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا أمر إباحة مِمَّا فِي الْأَرْضِ من للتبعيض لأنّ كلّ ما في الأرض ليس بمأكول حَلالًا مفعول كلوا ، أو حال مما في الأرض طَيِّباً طاهرا من كلّ شبهة وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ طرقه التي يدعوكم إليها ، بسكون الطاء أبو عمرو غير عباس ونافع وحمزة وأبو بكر « 3 » ، والخطوة في الأصل ما بين قدمي الخاطي ، يقال اتبع خطواته إذا اقتدى به واستنّ بسنته إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة لا خفاء به ، وأبان متعد ولازم . ولا تناقض هذه الآية قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ « 4 » أي
--> ( 1 ) في ( ز ) الواو فيه للحال . ( 2 ) البحائر : جمع بحيرة وهي الناقة بنت السائبة ، لا يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها ، تشق أذنها ويخلى سبيلها ( النهاية 1 / 100 ) . ( 3 ) أبو بكر : هو شعبة بن عياش بن سالم الكوفي ، ويكنى أبا بكر الخياط ، الإمام العالم راوي عاصم ، ولد سنة 95 ه وتوفي سنة 193 ه ( غاية النهاية 1 / 325 ) . ( 4 ) البقرة ، 2 / 257 .